في بدايات القرن العشرين ومع انتشار الساعات المضيئة في الظلام ظهرت وظيفة “مغرية” في مصانع أمريكية: طلاء أرقام مينا الساعات بطلاء يحتوي على الراديوم ليبقى مضيئ بالليل. كانت الفكرة وقتها جديدة ومطلوبة، خصوصا خلال الحرب العالمية الأولى حين احتاج الجنود لقراءة الوقت في الظلام. المشكلة أن العاملات وغالبيتهن شابات وبعضهن مراهقات لم يُبلّغن بحقيقة ما يلمسن: مادة مُشعّة قد تدمّر الجسم بصمت.

اكتسب الراديوم سمعة استثنائية آنذاك، واعتُبر مادة حديثة ومبتكرة ما دفع العديد من الصناعات إلى استخدامه دون تردّد. لم يقتصر حضوره على الساعات فقط بل دخل في المنبهات والأدوات الطبية وحتى بعض المنتجات الاستهلاكية. هذا الانتشار السريع سبب طلب كبير على الأيدي العاملة فعملت مئات النساء في هذه المصانع كثيرات منهن في سن صغيرة في وقت كانت فيه فرص العمل محدودة.

لم يكن معروف على نطاق واسع في ذلك الحين أن الراديوم مادة مُشعّة وأن التعرّض المستمر لها يراكم أضرار خطيرة داخل الجسم. ولم تستخدم في المصانع وسائل وقاية تُذكر، ولم تُقدَّم أي تحذيرات حقيقية للعاملات. بل على العكس، ساد اعتقاد بأن المادة آمنة تماما، وهو اعتقاد عزّزته الإدارة والمشرفون.

ومن أخطر التفاصيل ما عُرف بتقنية “تشكيل الفرشاة بالشفاه”، حيث كانت العاملات يضعن الفرشاة في أفواههن للحصول على رأس حاد يسمح بطلاء الأرقام الصغيرة بدقة. هذه الممارسة، التي بدت بسيطة وغير ضارة، أدّت إلى ابتلاع كميات من الراديوم بشكل يومي. ومع تكرار العمل، بدأ الإشعاع يتراكم في العظام والأسنان دون أي أعراض فورية تنذر بالخطر.
بعد فترة، بدأت تظهر مشكلات صحية غير مألوفة مثل آلام مستمرة في الفك وتساقط الأسنان والتهابات حادة وتلف تدريجي في العظام. في البداية لم يُربط بين هذه الأعراض وطبيعة العمل ولم يكن التسمّم الإشعاعي مفهوم طبي واضح في ذلك الوقت ما أدى إلى تشخيصات خاطئة وتأخير في اكتشاف السبب الحقيقي.

تكررت هذه الحالات في مصانع مختلفة داخل ولايات مثل نيوجيرسي وإلينوي وكونيتيكت ومع مرور الوقت ووقوع وفيات، بدأ الشك يتسلل إلى الرأي العام. ومع اتساع دائرة المتضررات، خرجت القضية من نطاق المصانع إلى الإعلام والمحاكم، لتتحوّل من مشكلة صحية فردية إلى قضية رأي عام.
واجهت العاملات طريق قانوني شاق في وقت كانت فيه مساءلة الشركات الكبرى أمر نادر خصوصا في قضايا الأمراض المهنية. ومع ذلك، نجحت بعضهن في رفع دعاوى أسهمت في تحقيق تعويضات مالية، والأهم من ذلك، في إرساء سابقة قانونية تعترف بأن ظروف العمل قد تكون سبب مباشر للمرض.
أحدثت هذه القضايا تحول جذري في قوانين السلامة المهنية داخل الولايات المتحدة حيث أُعيد النظر في التعامل مع المواد الخطرة، ووُضعت معايير أكثر صرامة لحماية العاملين وتم ترسيخ مفهوم المسؤولية القانونية للشركات تجاه صحة موظفيها. ويمكن القول إن كثيرا من أنظمة السلامة وتعويضات العمال المعتمدة اليوم تعود جذورها إلى هذه القضية.

لم يقتصر الراديوم على علامات ثانوية بل استُخدم على نطاق واسع من قبل أبرز شركات الساعات في تلك الحقبة وبرزت نماذج محددة من ساعات رولكس التي عُرفت بطابعها المهني في تلك المرحلة، مثل إصدارات صبمارينر الأولى من الخمسينيات بما في ذلك المراجع 6200 و6204 و6205 حيث استُخدم الراديوم في عقارب الساعة ومؤشرات المينا لتأمين وضوح القراءة في بيئات الغوص المعتمة. كما حملت النسخ المبكرة من جي أم تي ماستر وخصوصا المرجع 6542 مادة الراديوم ليس فقط على المينا بل أيضا داخل أرقام الإطار الخارجي المصنوع من الباكليت. كذلك استُخدم الراديوم في ساعات اكسبلورر الأولى مثل المرجع 6610 إضافة إلى بعض الكرونوقرافات القديمة التي سبقت سلسلة ديتونا الحديثة حيث كانت جميعها تعتمد على هذا النوع من الطلاء المضيء قبل أن يُستبدل لاحقا عام 1963 بمواد أخرى أقل خطورة.

Rolex Submariner Ref. 5513 (Vintage, Radium lume)
مع تزايد الوعي بالمخاطر الصحية للراديوم، بدأ التخلي عنه تدريجيا في صناعة الساعات من منتصف القرن العشرين. جرى استبداله أولًا بمادة التريتيوم، التي وفّرت خاصية التوهّج مع مستوى إشعاع أقل، قبل أن تتجه الصناعة لاحقًا إلى استخدام مواد غير مشعّة بالكامل مثل سوبر ليمونوفا المعتمدة اليوم.